القول في تأويل قوله تعالى : { سُبْحَانَ
الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا
إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) } قال ابن القيم: أسرى برسول
الله بجسده
على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكبًا على البُرَاق، صحبة جبريل
عليهما الصلاة والسلام، فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة باب
المسجد.
يقول الله سبحانه: سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ
أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ
ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ
هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ .
"سبحان"، أي: تنزه الله في قولـه عن كل قول، وتنزه الله في فعله عن كل
فعل، وتنزه الله في صفاته عن كل صفات. "الذي أسرى"، أي: الذي أكرم رسوله
بالمسير والانتقال ليلا.[3] "بعبده"
أي: بمخلوقه الإنسان الذي اختاره لهذه المهمة العظمى، وهي مهمة هداية البشر جميعا.
ولم يقل الله سبحانه: " بخليله " أو " بحبيبه " أو "
بنبيه "، وإنما قال: " بعبده "، وفي هذا ملحظ هام هو أن
الرسول حقق
مقام العبودية الخالصة لله سبحانه، فكان حقا " العبد الكامل " أو "
الإنسان الكامل "؛ ولأن المطلب الأول للإسلام هو تحقيق العبودية الخالصة لله
سبحانه. "ليلا" وفي هذا دلالة على أن الإسراء كان في جزء من الليل ولم
يستغـرق الليل كله، وكان الليل هو وقت الرحلتين؛ لأنه أحب أوقات الخلوة، وكان وقت
الصلاة المفضل لدى رسول الله ،
بل كان هو وقت الصلاة قبل أن تفرض الصلاة بالهيئة والأوقات المعروفة عليها، وكان
الإسراء ليلا ليكون أيضا أبلغ للمؤمن في الإيمان بالغيب.
وأما قوله تعالى: "من
المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" فتفسيره: أن انتقال الرسول في رحلته
الأرضية كان بين مسجدين، أولهما: المسجد الحرام بمكة في أرض الجزيرة العربية، وهو
أحب بيوت الله في الأرض، والصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد،
وثانيهما: هو المسجد الأقصى بأرض فلسطين، مهد الأنبياء والرسل، وقد كان القبلة
الأولى للمسلمين قبل أن يأتيهم الأمر بالتحول شطر المسجد الحرام الذي هو قبلتهم
منذ ذلك الوقت إلى آخر الزمـان... والمسجد الأقصى من أفضل مساجد الأرض جميعا،
والصلاة فيه تعدل خمسمـائة صلاة في غيره من المساجد. "الذي باركنا حوله"
أي: الذي أفضنا عليه وعلى ما حوله بالبركات، دنيوية ومعنوية. "لنريه من
آياتنا" أي: بعض الآيات الدالة على قدرة الله وعظمته، وليس كل الآيات.
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: يعني
تعالى ذكره بقوله تعالى(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا) تنزيها للذي أسرى بعبده وتبرئة له مما
يقول فيه المشركون من أنَّ له من خلقه شريكا: وأن له صاحبة وولدا، وعلوّا له
وتعظيما عما أضافوه إليه، ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم{ سُبْحَانَ الَّذِي
أَسْرَى بِعَبْدِهِ
لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ
الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) }
يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما
لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره { الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } يعني محمدًا،
صلوات الله وسلامه عليه (6) { لَيْلا } أي في جنح الليل { مِنَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ } وهو مسجد مكة { إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى } وهو بيت المقدس الذي هو
إيلياء (7) ، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل؛ ولهذا جمعوا له هنالك كلهم،
فَأمّهم في مَحِلّتهم (8) ، ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس
المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وقوله: { الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } أي:
في الزروع والثمار { لِنُرِيَهُ } أي: محمدًا { مِنْ آيَاتِنَا } أي: العظام كما
قال تعالى: { لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } [ النجم: 18 ].
وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من الأحاديث
عنه، صلوات الله عليه وسلامه.
وقوله: { إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
} أي: السميع لأقوال عباده، مؤمنهم وكافرهم، مصدقهموله تعالى: وءاتينا موسى الكتب
وجعلنه هدى لبنى إسرءيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاه (2) أي كرمنا محمدا صلى الله
عليه وسلم بالمعراج، وأكرمنا موسى بالكتاب وهو التوراة. ولو نظرنا الي التسبيح في القرآن لوجدنا من
سور القرآن ما يبدأ بالتسبيح مثل سورة الاسراء وسورة الحديد والحشر و الصف والجمعة
والتغابن والاعلي بل إن الله أمر بالتسبيح
في كثير من الايات فقال ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ
فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ
وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ
اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا
فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ
جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ
يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ )(43) يُقَلِّبُ اللَّهُ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44 فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36)
{ فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه } لمَّا ذُكر شأنُ القرآن الكريم في بيانه للشَّرائع
والأحكام ومباديها وغاياتها المترتِّبةِ عليها من الثَّوابِ والعقاب وغير ذلك من
أحوال الآخرة وأهوالِها وأُشير إلى كونِه في غاية ما يكونُ من التَّوضيحِ والإظهار
حيثُ مُثِّل بما فُصِّل من نور المشكاة ، وأُشير إلى أنَّ ذلك النُّورَ مع كونِه
في أقصى مراتبِ الظُّهور إنَّما يهتدي بهداه من تعلَّقتْ مشيئةُ الله تعالى
بهدايته دُونَ مَن عداه عقَّب وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان،
حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" (ذلك بذكر
الفريقينِ وتصوير بعض أعمالهم المُعربةِ عن كيفيَّةِ حالهم في الاهتداءِ وعدمه .
والمرادُ بالبيوتِ المساجدُ كلِّها حسبما رُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما وقيل
: هي المساجدُ التي بناها نبيٌّ من أنبياء الله تعالى : الكعبةُ التي بناها
إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السَّلامُ وبيتُ المقدسِ الذي بناه داودُ وسليمانُ
عليهما السَّلامُ ومسجدُ المدينةِ ومسجدُ قُباءَ اللذانِ بناهما رسولُ الله صلى
الله عليه وسلم . وتنكيرُها للتَّفخيم والمرادُ بالإذنِ في رفعها الأمرُ ببنائها
رفيعةً لا كسائر البيوتِ وقيل : هو الأمر برفعِ مقدارها بعبادة الله تعالى فيها
فيكونُ عطفُ الذِّكرِ عليه من قبيل العطفِ التفسيريِّ . وأيًّا ما كان ففي
التَّعبير عنه بالإذن تلويحٌ بأنَّ اللائقَ بحال المأمور أنْ يكونَ متوجِّهاً إلى
المأمور به قبل ورود الأمر به ناوياً لتحقيقِه كأنَّه مستأذنٌ في ذلك فيقع الأمرُ
به موقعَ الإذن فيه . والمرادُ بذكر اسمه تعالى ما يعمُّ جميعَ أذكارِه تعالى .
وكلمةُ في متعلِّقةٌ بقوله تعالى : { يُسَبّحُ لَهُ } وقولُه تعالى : { فِيهَا }
تكريرٌ لها للتَّأكيد والتَّذكيرِ لما بينهما من الفاصلةِ وللإيذانِ بأنَّ
التَّقديمَ للاهتمام لا لقصر التَّسبيحِ على الوقوع في البيوت فقط . وأصلُ
التَّسبيحِ التَّنزيهُ والتَّقديسُ ، يُستعملُ باللامِ وبدونِها أيضاً كما في قوله
تعالى : { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى } قالوا : أُريد به الصَّلواتُ المفروضةُ كما
يُنبىء عنه تعيينُ الأوقاتِ بقوله تعالى : { بالغدو والأصال } أي بالغَدَواتِ
والعَشَايا على أنَّ الغُدوَّ إمَّا جمعُ غداةٍ كقُنيَ في جمع قَنَاةٍ كما قيل .
أو مصدرٌ أُطلق على الوقت حسبما يُشعر به اقترانُه بالآصالِ وهو جمع أَصيلٍ وهو
العَشِيُّ وهو شامل لأوقاتِ ما عدا صلاةَ الفجرِ المؤدَّاةَ بالغداةِ ، ويجوزُ أنْ
يرادَ به نفسُ التَّنزيه على أنَّه عبارة عمَّا يقعُ منه في أثناء الصَّلواتِ
وأوقاتها لزيادةِ شرفِه وإنافتِه على سائر أفراده أو عمَّا يقعُ في جميع الأوقاتِ
. وإفرادُ طَرَفي النَّهارِ بالذِّكرِ لقيامِهما مقامَ كلِّها لكونِهما العمدةَ
فيها بكونِهما مشهورينَ وكونِهما أشهرَ ما يقعُ فيه المباشرةُ للأعمال والاشتغالُ
بالأشغالِ . وقُرىء والإيصالِ وهو الدُّخولُ في الأصيلِ رِجَالٌ
لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ
وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ
وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ
مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)
وقولُه تعالى : { رِجَالٌ } فاعلُ يسبِّح ،
وتأخيرُه عن الظُّروفِ لما مرَّ مراراً من الاعتناءِ بالمقدَّم والتَّشويق إلى
المؤخَّر ولأنَّ في وصفه نوع طُولٍ فيُخلُّ تقديمُه بحسن الانتظام . وقُرىء
يُسبِّح على البناء للمفعول بإسناده إلى أحد الظُّروف . ورجالٌ مرفوعٌ بما ينبىءُ
عنه حكايةُ الفعلِ من غير تسميةِ الفاعل على طريقة قوله
ليُبكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... كأنه قيل : مَنْ يُسبِّح له؟ فقيل : يُسبِّح له رجالٌ .
وقُرىء تُسبِّح بتأنيثِ الفعلِ مبنيًّا للفاعلِ لأنَّ جمعَ التَّكسيرِ قد يُعامل
معاملةَ المؤنَّثِ ومبنياً للمفعول على أنْ يُسندَ إلى أوقات العُدوِّ والآصالِ
بزيادة الباءِ وتجعلُ الأوقاتُ مسبِّحةً مع كونِها فيها أو يُسند إلى ضميرِ
التَّسبيحةِ أي تُسبَّح له التَّسبيحةُ على المجازِ المسوِّغ لإسناده إلى الوقتينِ
كما خرَّجُوا قراءة أبي جَعفرٍ ليُجزَى قوماً أي ليُجزَى الجزاءُ قَوْماً بل هذا
أولى من ذلك إذْ ليس هنا مفعولٌ صريحٌ { لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة } صفةٌ لرجالٌ
مؤكِّدةٌ لما أفادَه التَّنكيرُ من الفخامةِ مفيدةٌ لكمال تبتُّلِهم إلى الله
تعالى واتغراقهم فيما حُكي عنهم من التَّسبيحِ من غير صارفٍ يلويهم ولا عاطفٍ
يثنيهم كائناً ما كان وتخصيصُ التِّجارةِ بالذِّكرِ لكونِها أقوى الصَّوارفِ عندهم
وأشهرَها أي لا يشغلُهم نوعٌ من أنواعِ التِّجارةِ { وَلاَ بَيْعٌ } أي ولا فردٌ
من أفراد البياعاتِ وإنْ كان في غايةِ الرِّبحِ . وإفرادُه بالذِّكرِ مع اندراجِه
تحت التِّجارة للإيذانِ بإنافتِه على سائرِ أنواعِها لأنَّ ربحَهُ متيقَّنٌ ناجزٌ
وربحُ ما عداه متوقَّعٌ في ثاني الحال عند البيع فلم يلزمْ من نفيِ إلهاءِ ما عداه
نفيُ إلهائِه ولذلك كُرِّرت كلمةُ لا لتذكيرِ النَّفيِ وتأكيدِه وقد نُقل عن
الواقديِّ أنَّ المرادَ بالتِّجارة هو الشِّراءُ لأنَّه أصلُها ومبدؤها . وقيل :
هو الجَلَبُ لأنَّه الغالبُ فيها ومنه يُقال : تَجَر في كَذا أي جَلَبه .
{ عَن ذِكْرِ الله } بالتَّسبيحِ
والتَّحميدِ { وإِقَامِ الصلاة } أي إقامتِها لمواقيتها من غير تأخيرٍ وقد أُسقطتْ
التَّاءُ المُعوِّضةُ عن العينِ السَّاقطةِ بالإعلال وعُوِّض عنها الإضافةُ كما في
قوله
وَأَخْلفُوك عِدَ الأَمْرِ الذي وَعدُوا ... أي عدةَ الأمرِ { وَإِيتَآءِ الزكواة } أي المال الذي
فُرض إخراجُه للمستحقِّين ، وإيرادُه هاهنا وإنْ لم يكن ممَّا يُفعل في البيوت
لكونِه قرينةً لا تُفارق إقامةَ الصَّلاةِ في عامَّة المواضع مع ما فيه من
التَّنبيه على أنَّ محاسنَ أعمالِهم غيرُ منحصرةٍ فيما يقعُ في المساجدِ وكذلك
قوله تعالى : { يَخَافُونَ } الخ ، فإنه صفةٌ ثانيةٌ لرجالٌ أو حالٌ من مفعول لا
تُلهيهم ، وأيًّا ما كان فليس خوفُهم مقصُوراً على كونِهم في المساجد وقوله تعالى
: { يَوْماً } مفعولُ ليخافون لا ظرفٌ له . وقولُه تعالى : { تَتَقَلَّبُ فِيهِ
القلوب والأبصار } صفةٌ ليوماً أي تضطربُ وتتغيرُ في أنفسها من الهول والفزعِ
وتشخصُ كما في قولِه تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
الْهَوَى (3) إِنْ هُوَإِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)
ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7)
والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله مجاهد
من أنه عنى بالنجم في هذا الموضع: الثريا، وذلك أن العرب تدعوها النجم، والقول
الذي قاله من حكينا عنه من أهل البصرة قول لا نعلم أحدا من أهل التأويل قاله، وإن
كان له وجه، فلذلك تركنا القول به.
وقوله:( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى
) يقول تعالى ذكره: ما حاد صاحبكم أيها الناس عن الحقّ ولا زال عنه، ولكنه على
استقامة وسداد.
ويعني بقوله( وَمَا غَوَى ) : وما صار
غويًّا، ولكنه رشيد سديد; يقال: غَوَيَ يَغْوي من الغيّ، وهو غاو، وغَوِيّ يَغْوَى
من اللبن (1) إذا بَشِم. وقوله:( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ) جواب قسم والنجم.
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ
الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى (7) }
يقول تعالى ذكره: وما ينطق محمد بهذا القرآن
عن هواه( إِنْ هُوَ إِلا من الأحداث الضخمة من تاريخ الدعوة
الإسلامية،
سبقته البعثة وجاء قبل الهجرة. وهي حادثة جرت في منتصف
فترة الرسالة الإسلامية ما بين السنة
الحادية عشرة إلى السنة الثانية عشرة، منذ أن أعلن النبي محمد أن الله قد أرسل إليه جبريل يكلفه برسالة دينية
يبلغها إلى قبيلته قريش ومن ثم إلى البشرية
جمعاء، وأن رسالته متمة وخاتمة للرسالات السماوية السابقة، وحسب التاريخ الإسلامي
للفترة هذه والمصطلح على تسميته السيرة النبوية يعد حدث الإسراء الرحلة التي أرسل
الله بها نبيه محمد على البراق مع جبريل ليلاً من
بلدهِ مكة -المسجد
الحرام-
إلى بيت المقدس في فلسطين، وهي رحلة استهجنت
قبيلة قريش حدوثها لدرجة أن
بعضهم صار يصفق ويصفر مستهزئاً، ولكن النبي محمد أصر على تأكيدها وأنه انتقل بعد
ذلك من القدس في رحلة سماوية
بصحبة جبريل على دابة تسمى
البراق أو حسب التعبير الإسلامي عرج به إلى الملأ الأعلى عند سدرة
المنتهى أي
إلى أقصى مكان يمكن الوصول إليهِ في السماء وعاد بعد ذلك في نفس الليلة. قال الله
تعالى في سورة الإسراء سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ
أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ
ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ
هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ الإسراء: هي تلك الرحلة
الأرضية [1] وذلك الانتقال
العجيب، بالقياس إلى مألوف البشر، الذي تمَّ بقدرة الله من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى، والوصول إليه في سرعة تتجاوز الخيال، يقول تعالى في سورة الإسراء: سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ
أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ
ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ
هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ .[2] وأما المعراج:
فهو الرحلة السماوية والارتفاع والارتقاء من عالم الأرض إلى عالم السماء، حيث سدرة
المنتهى، ثم الرجوع بعد ذلك إلى المسجد الحرام، يقول تعالى في سورة النجم: وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً
أُخْرَى عِنْدَ
سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا
جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ
يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ
رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى 1 وقد حدثت هاتان
الرحلتان في ليلة واحدة اختلف العلماء حول زمنها بالتحديد كما يأتي تفصيله2. أثير حول الإسراء
والمعراج جدل طويل وتساؤلات عدة، فيما إذا كانت قد تمت هذه الرحلة بالرُّوح
والجسد، أم بالروح فقط؟ ومتى وكيف تمت؟.[2]
وعلى الرغم من أن "
الإسراء " و " المعراج " حدثا في نفس الليلة، فإن موضعي ورودهما في
القرآن الكريم لم يترادفا، بل ذكر الإسراء أولا (في سورة الإسراء)، وتأخر الحديث
عن المعراج إلى سورة النجم التي وضعت بعد سورة الإسراء (في ترتيب سور القرآن). وقد
تكون الحكمة في هذا هي جعل الإسراء (وهو الرحلة الأرضية) مقدمة للإخبار بالمعراج،
وهي الرحلة العلوية التي ذهل الناس عندما أخبروا بها، فارتد عن الإسلام وقتها ضعاف
الإيمان، بينما ظل على الإيمان أقوياءه.[3]
p
ردحذف